عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي
175
رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز
بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً احتالوا على ضرّي أنتم وآلهتكم ، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ أي : لا تمهلون ، وهذا شبيه بقول نوح عليه السّلام : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ [ يونس : 71 ] ، وقول نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم : فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ [ المرسلات : 39 ] . وهذا من أعظم آيات الرسل وأعجبها أن يواجه الرجل الواحد منهم بهذا الكلام وأمثاله أمة عظيمة كثيرة العدد والعدد ، شديدة الشكيمة في عداوته ، حرصا على استئصال شأفته ، وإسكان نأمته ، عطاشا إلى إراقة دمه ، ما ذاك إلا لرسوخ قدمهم في التوكل والاعتماد على اللّه ، وقلة المبالاة بحزب الشيطان ، ألا ترى إلى قوله : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها فهي في قبضته وتحت قهره وسلطانه ، والعرب إذا وصفت إنسانا بالذلة والخضوع قالوا : ما ناصيته إلا بيد فلان ، أي : أنه مطيع له يصرّفه كيف شاء ؛ لأن من أخذ بناصية شخص فقد ملكه ، فصار تحت قهره وفي قبضته ، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي : طريق واضح من العدل . قال الزجاج « 1 » وابن الأنباري « 2 » : المعنى : أنه وإن كان قادرا عليهم فهو لا يظلمهم ، ولا يلحقهم بقدرته عليهم إلا ما يوجب الحقّ وقوعه بهم . قوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا ذهب مقاتل « 3 » في جماعة من العلماء إلى أنه فعل
--> ( 1 ) معاني الزجاج ( 3 / 58 ) . ( 2 ) انظر : زاد المسير ( 4 / 119 ) . ( 3 ) تفسير مقاتل ( 2 / 122 ) .